موقع خاص.. ما زالَ في طور الإنشاء.. يعني بالأدب, خاصة ً, وبالفنون عامة ً..




الشاعر ~ أحمد البصري..



 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخولإقرأ واســتمع للـــقرآن الكريمأِســـــتمع للمعــــلقاتِ الــــعَشرراســــــــــــــــــــــــــــــــــلنا
شاطر | 
 

 حول.. المسرح الشعري

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Thorn field
Admin


عدد الرسائل: 246
تاريخ التسجيل: 09/09/2008

مُساهمةموضوع: حول.. المسرح الشعري   الإثنين يناير 03, 2011 3:20 pm











[b]من عوامل التخلف الأساسية في مسرحنا العراقي عجزه عن إدراك الصلة العضوية العميقة بينه وبين الأدب، ففنانونا المسرحيون بوجه عام لا يعرفون، على ما يبدو، أنهم ليسوا في ختام المطاف سوى وسطاء بين المؤلف المسرحي والجمهور، وإن الحياة التي يحاول المسرح تجسيدها بوسائله المختلفة -وأهمها فن الممثل بالطبع- إنما هي حياة أبدعها خيال المؤلف المسرحي. صحيح أن المسرح استغنى عن النص الأدبي في فترات معينة من تاريخه، فظهرت في أوربا خلال العصور الوسطى فرق الممثلين الجوالين الذين يقدمون فنهم المرتجل في الميادين العامة والبلاطات على النحو الذي صوره شكسبير في الفصل الثالث من مسرحيته المعروفة مأساة هاملت أمير الدانمارك، وصحيح أن الملهاة الشعبية المرتجلة، أو كوميديا الأقنعة، التي ظهرت في أوربا خلال عصر النهضة، لم تكن تستند إلى نص أدبي مكتوب، ولكن من المؤكد أن فن المسرح لا يستمد نظريته وتقاليده العريقة ومكانه البارز في تاريخ الحضارة من هذه الروافد الجانبية الصغيرة. وإنما يستمدها أساساً، وقبل كل شيء، من التراث العظيم الذي خلفه أدباء المسرح الكبار منذ اسخيلوس، أول شاعر تراجيدي عظيم، حتى عصرنا الراهن.‏

إن الدراما ليست في حقيقة الأمر إلا نوعاً من أنواع الأدب، وهي أدب نستطيع أن نقرأه ونستمتع به في خلوتنا مثلما نستمتع بأي نص أدبي آخر. ولكن الدراما تتميز عن غيرها من فنون الأدب بأن روعتها لا تكتمل إلا حين تتحول نصب أعيننا إلى فعل دينامي حي على منصة المسرح. وهي بهذا تختلف عن القصة أو الرواية التي يتابعها القارئ بخياله، لا بحواسه. من هنا نشأت الصلة الوثيقة بين الدراما وفن التمثيل واعتماد كل منهما على الآخر. فلكي تأخذ الدراما صورتها النهائية وتمارس تأثيرها الأقصى لابد لها من الممثل الذي يحولها إلى واقعة موضوعية ويبعث فيها نبض الحياة وحرارتها وأبعادها الحسية. ولكي تفصح موهبة الممثل عن قوتها ومداها لابد لها من حوافز تثيرها ومجرى يحتويها، وهذا ما يوفره لها النص الدرامي. ولكن هذا لا يغير من الحقيقة الجوهرية القائلة بأن الدراما أصل والتمثيل فرع، لأن الدراما تستطيع أن تكتفي بذاتها وتستغني عن الممثل بينما ليس لدى الممثل الكثير مما يفعله بدون نص درامي.‏

ومن المؤسف أن هذه الحقيقة الأولية -أي حقيقة أن فن المسرح ليس في جوهره إلا نصاً أدبياً يتولى الممثل إيصاله إلى الجمهور- تبدو غائبة عن أذهان الكثير ممن يعملون عندنا في ميدان المسرح، ولا أدل على ذلك ومن قلة حفول فناننا المسرحي بالأدب وتطيره من النصوص الدرامية العالمية والعربية، وانكماشه أمام العربية الفصحى وعجزه -في الغالب- عن أدائها بطلاقة ويسر. ولا أظنني أجانب الواقع إذا قلت إن من النادر أن نجد بين ممثلينا من يؤدي النصوص المكتوبة بالفصحى أداء طبيعياً سلسا خالياً من المشقة والعثار.‏

ومن أدلة ضعف الصلة عندنا بين المسرح والأدب غياب الدراما الشعرية غياباً تاماً عن منصة مسرحنا الوطني. ويكفي لتصوير فداحة هذا الغياب أن نلاحظ أنّ مسارح العاصمة لم تشهد خلال السنوات العشر الأخيرة سوى مسرحية شعرية واحدة جاءت بها فرقة الموصل المسرحية إلى بغداد ولم تعرض للجمهور -على ما أذكر- سوى مرة واحدة!‏

وينبغي أن نضيف إلى ذلك أن زهد شعرائنا في الكتابة للمسرح لا يقل عن زهد مسرحيينا في الشعر والأدب، فكلا الفريقين قد أدار ظهره للآخر غير ملتفت إلى ما بين هذين الفنين من أواصر النسب الوثيق. ولو حاولنا استعراض ما كتبه شعراؤنا من أعمال شعرية للمسرح منذ نشأته عندنا في أواخر القرن الماضي حتى الآن لخرجنا بحصيلة مؤسفة حقاً، فليس لدينا في هذا الباب إلا محاولات قليلة يشكو معظمها من قلة الخبرة وضعف الصياغة الدرامية وإن كان بعضها قد أصاب حظاً من التوفيق.‏

وقد يقال في تفسير عزوف شعرائنا عن الكتابة للمسرح أن المسرحية الشعرية فن صعب يتطلب، بالإضافة إلى الموهبة، معرفة جيدة بأصول الفن الدرامي وأنها -فوق ذلك- فن أرستقراطي لا يستهوي إلا فئات محدودة من الجمهور. وهذان سببان وجيهان دون شك، ولكنهما لم يحولا دون ظهور الدراما الشعرية وتطورها إلى حد ما في بلدان عربية أخرى -كمصر مثلاً- مما يجعلنا نرجح أن السبب الأساسي في عزوف شعرائنا عن ولوج هذا الميدان هو ما ذكرناه من تقطع الوشائج وبعد الشقة عندنا بين الأدب والمسرح، وهي شقة تزداد عمقاً واتساعاً مع الأيام.‏

وقد يعن للمرء أن يتساءل ما الذي أدى إلى كل هذا التباعد عندنا بين الأدب والمسرح، وهذا حديث قد أعود إليه في فرصة أخرى- وهو حديث ذو شجون على أية حال- أما الآن فإني أريد الوقوف عند موضوع آخر، هو غياب المسرح الشعري عن حياتنا الثقافية وما ينطوي عليه هذا الغياب من معان سلبية. ولعل أول ما يتبادر إلى الذهن أن ثمة مفارقة حادة في غياب المسرح الشعري عن بلد كان الشعر دوماً في طليعة اهتماماته الثقافية وكان شعراؤه دوماً من المبرزين بين الشعراء العرب. ولكن المسألة أبعد من ذلك في الواقع، فالدراما الشعرية- والتراجيديا الشعرية بالتحديد- هي أنسب الأشكال الأدبية للتعبير عن الهموم الكبيرة في حياة الأمم وأكثرها اتصالاً بتاريخها القومي ووجدانها الحضاري وطبيعة إحساسها بالعالم، حتى ليمكن القول بأن الأمم العريقة وجدت ذاتها في التراجيديا الشعرية كما لم تجدها في أي فن آخر. وهذا ما تؤكده تجربة المسرح الإغريقي في القرن الخامس قبل الميلاد وتجربة المسرح الإنجليزي في العصر الإليزابثي. فليس بين فنون العالم القديم ما يستأثر بالاهتمام أكثر من التراجيديا الإغريقية وليس بين فنون عصر النهضة ما يستأثر بالاهتمام أكثر من التراجيديا الشكسبيرية. ويمكننا ونحن نتقصى الوشائج بين التراجيديا الشعرية وخلفيتها التاريخية خلال هاتين الفترتين أن نضع أيدينا على الكثير من الأمور ذات الدلالة. ولعل أول ما تجدر ملاحظته في هذا الصدد أن مولد التراجيديا العظيمة في هاتين الفترتين جاء عقب امتحانات تاريخية عصبية، خرج الشعب منها منتصراً، موفور الثقة بنفسه وبقدرته على مجابهة التحديات. فقد ولدت التراجيديا الإغريقية بعد أن انتصر اليونانيون على جيوش الإمبراطورية الفارسية الغازية في ثلاث مواقع فاصلة، أولاها موقعة الماراثون الشهيرة ( عام 490 ق.م ) التي تمكنت فيها أثينا بمفردها من إلحاق الهزيمة بعدو يفوقها كثيراً في العدة والعدد. وولدت التراجيديا الشكسبيرية بعد انتصار الإنجليز على الأسبان ( عام 588م ) وتحطيمهم أسطول الأرمادا الشهير قرب السواحل البريطانية. ومن السهل أن نتبين العلاقة بين الهول والمعاناة والجلال المأساوي التي هي أبرز سمات التراجيديا الشعرية وبين نظائرها في هذه الأحداث التاريخية التي سبقت ظهور التراجيديا. كما أن من السهل أن نتبين، في ملامح "برومثيوس" الذي يتحدى كبير الآلهة "زفس" ( في تراجيديا اسخيلوس المعروفة ) شخصية المقاتل الأثيني الذي تحدى عتو الإمبراطور الفارسي وهزمه في سهل الماراثون. ولو مضينا في المقارنة بين الفترتين المذكورتين لوجدنا أن كلتيهما كانت تتسم بحيوية فكرية شديدة ونشاط إبداعي متعدد الجوانب، وإن الدراما الشعرية لم تزدهر فيهما بمحض الصدفة بل جاءت ضمن سياق حضاري هيأ الأسباب لنشأتها وازدهارها. فقد ظهرت التراجيديا الإغريقية بعد أن قطع الإغريق القدامى أشواطاً متناسقة في ميادين الفلسفة والعلوم والفنون والتربية السياسية والاجتماعية، فكان شعرهم التراجيدي تعبيراً عن مرحلة ناضجة من مراحل وعيهم الحضاري. وقد أشار اسخيلوس نفسه إلى عمق ارتباط التراجيديا بالتراث حين قال، في عبارة مأثورة، إن كتاباته وكتابات زملائه من الشعراء التراجيديين ليست إلا فتاتاً من موائد هوميروس العظيمة. والشيء نفسه يمكن أن يقال عن التراجيديا الشكسبيرية، التي ولدت هي الأخرى في عصر تميز بالتعطش إلى المعرفة وبتراكم الخبرة الإبداعية، فقد بدأ شكسبير من حيث انتهى كريستوفر مارلو وأفاد مما هيأه له عصره من أسباب الاطلاع على التاريخ والاتصال بثقافات الأمم الأخرى. ومما لا شك فيه أن شكسبير ما كان ليجد المادة التاريخية الضرورية لكتابة يوليوس قيصر وكوريولانوس وأنطوني وكليوباترا لو لم يجد في متناول يده كتاب بلوتارك عن حياة عظماء الإغريق والرومان مترجماً إلى الإنكليزية بقلم السرتوماس نورث، وما كان ليكتب مكبث وريتشارد الثالث وبقية مسرحياته المستمدة من التاريخ الإنجليزي لو لم يمهد له رافاييل هولنشيد السبل بما كتبه عن تاريخ إنجلترا واسكوتلاندا. ولا ينبغي، ونحن نتحدث عن أوجه التماثل بين عصر أثينا الذهبي والعصر الإليزابثي، أن تفوتنا الإشارة إلى ما شهده كلا العصرين من تحولات دينية وسياسية وما زخرا به من تناقضات وصراعات فكرية حادة بين قوى اجتماعية استنفدت دورها التاريخي وأخرى فتية تسعى إلى تثبيت قيمها الجديدة وإدارة دفة التطور الاجتماعي في الاتجاه الذي تريده. لقد كان كلا هذين العصرين عصر تحد واستجابة وقلق وصراع وتحول، وكان ذلك كله خليقاً بأن يستفز الأذهان ويدفعها إلى إعادة النظر في نسق القيم التي تقوم عليها العلاقات الإنسانية وفي النظم السياسية والمعتقدات الدينية، وإلى تأمل التجربة الإنسانية بمختلف أبعادها والبحث عن الحوافز العميقة للسلوك البشري وما ينجم عنه من خير أو شر. وقد انهمكت التراجيديا، كما انهمك الفكر الفلسفي خلال هذين العصرين، في بحث هذه القضايا الإنسانية الكبرى. ولكن التراجيديا تميزت عن الفلسفة في إنها لم تحول مشكلات الوجود الإنساني إلى تصورات ميتافيزيقية مجردة، بل تناولتها بصورتها العيانية الملموسة ووضعت الإنسان بكل أشواقه وطموحاته وهمومه ومخاوفه في صميم تجربة الوجود. ومن هنا كانت التراجيديا ظاهرة شغلت الفلاسفة أنفسهم فخصّوها بكثير من التأمل والتحليل.‏

ويمكننا أن نلاحظ مما تقدم - على ما فيه من إيجاز وابتسار - أن الخلفية التاريخية لمولد التراجيديا وازدهارها قد تميزت بثلاث سمات أساسية:‏

أ‌ - عراقة الأمة وغنى مخزونها الحضاري.‏

ب - تعرضها لتحديات خارجية خطيرة تهدد وجودها ذاته.‏

ج - اشتداد الصراعات الفكرية والسياسية والمعاناة والقلق التي ترافق التحولات الاجتماعية الكبيرة.‏

ومن السهل أن نرى أن هذه الخلفية التاريخية بأركانها الثلاثة -العراقة والتحدي والتحول -شاخصة في واقعنا العربي الراهن. ولعل الاهتمام الجزئي الذي حظيت به المسرحية الشعرية في بعض أقطار الوطن العربي، ولا سيما في مصر، بعد ظهور حركة الشعر الحديث في أواسط القرن كان من بعض وجوهه استجابة لهذا الواقع التاريخي، وإن يكن من ناحية أخرى غير مقطوع الصلة بمحاولات إحياء المسرح الشعري في أوروبا وتعاظم الاهتمام -من جانب النقاد الغربيين بوجه خاص- بمسرحيات ت.س. اليوت وكريستوفر فراي ولوركا وغيرهم من شعراء المسرح المعاصر.‏

وظاهرة انبعاث المسرح الشعري في أوروبا بعد احتجاب طويل هي بحد ذاتها ظاهرة جديرة بالتأمل، فهذه العودة إلى الدراما الشعرية ( وإلى التراجيديا بوجه خاص ) ليست وليدة الميل الفردي عند هذا الشاعر أو ذاك بمقدار ما هي وليدة الإحساس بأن المسرحية الطبيعية، المكتوبة بلغة الحياة اليومية لم تعد الشكل المناسب لطرح القضايا الكبرى التي تقلق ضمير العصر. وهذا الإحساس الذي برز بقوة منذ نهاية الحرب العالمية الأخيرة يمكن تفسيره بأن الدراما "البورجوازية" الحديثة، التي ظلت لزمن طويل اللون الطاغي على المسرح، قد أسرفت في الاقتراب من الواقع والتفرس في جزئياته وتفاصيله إلى الحد الذي باتت معه غير قادرة على أن تنظر إلى الإنسان والوجود تلك النظرة الفلسفية الشمولية التي نجدها في المسرح الإغريقي أو في مسرحيات من طراز فاوست والملك لير.‏

ولا ريب أن اقتراب الدراما الحديثة من الواقع اليومي المباشر وانصرافها إلى معالجة قضايا الناس العاديين من أبناء الطبقات الوسطى والكادحة كان تطوراً ثورياً هاماً فرضته التحولات التاريخية نفسها، وهو تطور أغنى المسرح بكثير من الروائع، ولكنه -في الوقت عينه- قاد المسرح في أحيان كثيرة إلى التنازل عن طبيعته الخاصة التي تتطلب بعداً معيناً عن الحياة.‏

وليس المقصود بهذا البعد أن ينسلخ المسرح عن الحياة ويسترسل في الخيال والتجريب، وإنما يقصد به الاحتفاظ بمسافة معينة بينه وبين الواقع العياني المباشر ليتسنى له أن يرى هذا الواقع بصورته الكلية وليغدو -كما عبر جورج لوكاتش- تعبيراً مركزاً عن اتجاهات معينة في الحياة نفسها.‏

وتاريخ الدراما نفسه يؤكد طبيعتها هذه، فقد ولدت الدراما الأوروبية في أحضان الشعر ولازمته على مدى أكثر من عشرين قرناً. وغني عن القول أن الشعر، بشكله ومضمونه، يبعد المسرح عن الواقع بالمعنى الذي أشرنا عليه، فمن حيث الشكل، ثمة اختلاف جوهري بين لغة الشعر الرفيعة وأخيلته وإيقاعه وبين الحديث اليومي الذي يتداوله الناس في حياتهم، أما من حيث المضمون فإن الشعر أقرب إلى الفلسفة وأجدر بالاهتمام من التاريخ، لأنه يتكلم عن الكليات، بينما يتكلم التاريخ عن الجزئيات -كما وصفه أرسطوطاليس في معرض حديثه عن الشعر التراجيدي -وهذا ما يجعله بالطبع بعيداً عن لغة التخاطب العفوي بين الناس. ولكن الشعر إذ يسمو بالمسرح فوق صورة الحياة المألوفة فإنه يتيح له من عمق الاستيعاب وشمول النظرة وتعدد مستويات الدلالة ما لا تستطيع المسرحية النثرية بلوغه، فالشعر في المسرح -كما يقول د.أي. جونس في كتابه مسرحيات ت.س اليوت- ليس مجرد زخرف خارجي، وليست مسرحيات شكسبير شعرية لمجرد أنها تشتمل على مقاطع من الوصف الجميل أو التأمل العميق، بل هي شعرية لأنها تعكس المفهوم الكلي للذي تستند إليه. وبعبارة أخرى، فهي شعرية لأنها تعكس نظرة شعرية - فلسفية إلى العالم، وقد عبر اليوت عن هذا المعنى بطريقة أخرى حين كتب إلى صديقه عزرا باوند يقول "إذا كتبت مسرحية شعرية فينبغي أن يكون الشعر واسطة ننظر من خلالها، لا ديكوراً جميلاً ننظر إليه".‏

إن هذا النظر الشعري الفلسفي الذي يتخطى الجزئيات والوقائع العابرة إلى ماهو أبقى وأشمل هو بالتحديد ما يميز المسرحية الشعرية عن مسرحية النثر، وهو بالذات ما جعل أرسطوطاليس يتلمس القرابة بين الشعر والفلسفة. ولهذا فإن أعظم المسرحيات التي نعرفها -كما يؤكد رونالد بيكوك في كتابه "فن الدراما"- هي جميعاً مسرحيات شعرية.‏

ومن العوامل المهمة التي تفسر انتعاش المسرح الشعري في أوروبا في عصرنا الراهن تعاظم الميل لدى المفكرين الغربيين إلى تبين موقع الإنسان المعاصر في سياق التاريخ والحضارات المتعاقبة، وهذا ميل ناشئ إلى حد كبير عن تطور بعض فروع المعرفة الإنسانية التي ظلت متخلفة إلى زمن قريب، كعلم النفس والأنثروبولوجي، وعلم الاجتماع وعلم اللغة الحديث، ولا ينبغي أن ننسى كذلك تزعزع ركائز الحضارة الغربية المسيحية مما يدفع المفكرين والباحثين إلى إعادة النظر فيها وتقصي منابعها في أساطير الأمم القديمة وفي التراث الديني والفلسفي والفني. ولا يصعب أن نلاحظ اهتمام الثقافة الغربية المعاصرة بعبادات الأمم القديمة وأساطيرها وفنونها، وانعكاس ذلك كله في نتاجات الفن الأوروبي الحديث. وربما كان الشاعر الإنكليزي ت.س اليوت من أبرز ممثلي هذا الاتجاه الحضاري الشمولي في النظر إلى الإنسان، ففي قصيدته الأرض اليباب، التي كتبها متأثراً بالدراسات الأنثروبولوجية الحديثة حول العبادات وطقوس الخصب لدى الشعوب البدائية، تتداخل الأزمنة، والثقافات والشخصيات على نحو جعل هذه القصيدة لغزاً من الألغاز. واليوت -في الوقت نفسه- من رواد المسرح الشعري في النصف الأول من القرن، وقد كان اتجاه اليوت إلى المسرح الشعري أمراً منطقياً، لا لمجرد أنه شاعر، بل لأن المسرح الشعري هو الشكل المناسب لاستيعاب هذا الاتجاه الحضاري الشمولي الذي نتحدث عنه.‏

وقد أعاد اليوت اكتشاف الحقيقة القديمة بأن المسرحية الشعرية أرحب أفقاً وأشمل تعبيراً من المسرحية النثرية. ومما كتبه في معرض التمييز بين هذين الشكلين قوله:‏

"من المحتمل أن ما يميز الدراما الشعرية عن النثرية هو نوع من الازدواج في الفعل، كما لو كانت تجري على صعيدين في وقت واحد. وهي لهذا تختلف عن المجاز الذي يكون فيه التجريد شيئاً يتصوره المرء، لا شيئاً يحسه بطريقة مختلفة، وعن الرمزية كما في مسرحيات مترلنك التي يتقلص فيها العالم المحسوس بطريقة متعمدة، لأن الرمزية والمجاز كليهما من عمليات الذهن الواعي المخطط. وقد يكون ما يظهر من تفكك معين في الدراما الشعرية من أعراض هذا الازدواج، أو أن الدراما لها قالب تحتي أقل ظهوراً من القالب المسرحي".‏

بعد هذه الإلمامة الوجيزة بطبيعة المسرح الشعري والظروف التاريخية التي أحاطت بنشأته وازدهاره يمكننا أن نعود إلى نقطة البدء لنتبين -ربما بوضوح أكبر- عمق الخسارة التي لحقت بمسرحنا جراء انصرافه التام عن الدراما الشعرية، ولنستعرض بعض العوامل المباشرة التي تجعل المسرح الشعري إحدى حاجاتنا الثقافية الملحة.‏

وأول هذه العوامل، في نظرنا، هو ضرورة أن يتحرر المسرح العربي من السطحية وضيق الأفق ويتحول فعلاً إلى شكل فني قادر على التعبير عن معاناة الأمة ومثلها وطموحاتها. وهذا مرتبط إلى حد كبير بمواهب كتابنا المسرحيين، بطبيعة الحال، ولكنه مرتبط في الوقت ذاته بالشكل الدرامي. ففي المسرحية النثرية ذات النزعة الواقعية كثيراً ما يجد الكاتب صعوبة في تخطي الدلالات المحدودة المباشرة لأحداث المسرحية والوصول إلى تعميمات فكرية ذات مغزى إنساني أو قومي. ويتدارك بعض كتاب المسرح هذا النقص بوضع أفكار أو خطب منفصلة عن سياق الفعل المسرحي على ألسنة بعض أبطالهم، أو يتداركونه بإضافة راوية يقف إلى جانب المسرح ليعلق على الأحداث ويفلسفها. وهذه ظاهرة ملحوظة في المسرح العراقي، الذي تتحول منصته أحياناً إلى منبر للخطابة يستعيض بالرنين اللفظي عن التأثير الدرامي الحقيقي. والمسرحية الشعرية تستطيع -إذا توافرت لها موهبة الشعر والدراما معاً- أن تحل هذا الإشكال لأنها، بفضل هذا الازدواج الذي تحدث عنه اليوت، يمكن أن تجمع بين الدلالة القريبة للأحداث وبين المعنى الكبير الكامن وراءها دونما تعسف أو إخلال بشروط البناء الدرامي. ولا يعني هذا، بالطبع، أننا ندعو إلى إهمال المسرحية الواقعية النثرية والاكتفاء بالمسرحية الشعرية، فكلا اللونين ضروري، وكلاهما يؤدي الوظيفة التي تسمح بها طبيعته وأدواته التعبيرية.‏

والشعر هو الأداة المناسبة للمسرحية التاريخية. ولعلي في غنى عن التوسع في شرح هذه النقطة، فهي من تحصيل الحاصل، كما يقال. ومع أن كتابنا المسرحيين، ولاسيما الشعراء منهم، قد استلهموا تاريخنا القومي في بعض ما كتبوه، فإن هذا التاريخ الحافل بالشخصيات والأحداث ظل في معظمه بعيداً عن دائرة اهتمامهم فلم يفيدوا منه ولا أفاد منهم على النحو المطلوب.‏

وتبدو عودة المسرح العربي إلى التاريخ، أو لنقل استحضار التاريخ العربي على المسرح، مهمة ملحة في اللحظة الراهنة، لا لمجرد أن هذا التاريخ منجم يزخر بالمادة الخام ينشدها الكاتب الدرامي، بل -وهذا هو الأهم- لتلمس الخيط الذي يشد حاضر الأمة بماضيها، واستنباط المعاني من تراثها الفكري والأخلاقي، وإبراز الملامح الأصيلة للشخصية العربية بما لها وما عليها. وهذه المهام الملقاة على عاتق المسرحية التاريخية تشدها إلى الشعر بقوة عظيمة، فمن الصعب أن نستحضر صورة الحياة العربية أو نجسد الشخصية العربية النموذجية بمعزل عن الشعر، الذي كان على الدوام ركناً أساسياً من أركان حياتنا العقلية والوجدانية.‏

ومن الجلي تماماً أن الشاعر المسرحي العربي في أيامنا هذه قد تهيأت له ظروف موضوعية أفضل بكثير من تلك الظروف التي كتب فيها شوقي مسرحياته الشعرية الرائدة، فهو بفضل ما تحقق لنا خلال نصف القرن الفائت من تطور حضاري واتصال بالثقافة العالمية المعاصرة، أقدر ممن سبقوه على الإلمام بأصول الصنعة الدرامية والإفادة من روائع أعمال المسرح العالمي.‏

هذا من ناحية، أما الناحية الأخرى التي قد تفوقها أهمية فهي الطفرة النوعية التي حققها الشعر العربي منذ أواسط القرن بانتقاله من نظام العروض التقليدي القائم على التناظر المطلق بين الأبيات أو الاشطار في القصيدة إلى نظام جديد يقوم أساساً على التفعيلة كوحدة إيقاعية مما يسمح للشاعر الدرامي بالتحكم في طول الجملة الشعرية ويعفيه من الوقفات التي كان يفرضها عليه النظام العروضي التقليدي، والتي تضعف كثيراً من حيوية الشعر الدرامي وانسيابه الطبيعي.‏

بغداد / 1985 ...

[/b]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://thornfield.ba7r.org
 

حول.. المسرح الشعري

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: فنون :: مسرح-